ابن قيم الجوزية

150

البدائع في علوم القرآن

وقال أبو محمد بن قتيبة : « كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال الصحة ، وحال المرض والعطش » « 1 » فضربه اللّه مثلا لمن كذب بآياته ، وقال : إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال كالكلب ، إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث . ونظيره قوله سبحانه : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ( 193 ) [ الأعراف ] . وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى : فمنها : قوله : آتَيْناهُ آياتِنا ، فأخبر - سبحانه - أنه هو الذي آتاه آياته ، فإنها نعمة ، واللّه هو الذي أنعم بها عليه ، فأضافها إلى نفسه . ثم قال : فانسلخ منها ، أي خرج منها ، كما تنسلخ الحية من جلدها ، وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم ، ولم يقل : فسلخناه منها ، لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه . ومنها : قوله : سبحانه فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ أي لحقه وأدركه ، كما قال في قوم فرعون : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) [ الشعراء ] ، وكان محفوظا محروسا بآيات اللّه محمي الجانب بها من الشيطان ، لا ينال منه شيئا إلا على غرة وخطفة ، فلما انسلخ من آيات اللّه ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته ، فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم ، الذي يعرفون الحق ، ويعلمون بخلافه كعلماء السوء . ومنها : أنه - سبحانه - قال : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ، فأخبر - سبحانه - أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم ، فإن هذا كان من العلماء ، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره ، وقصد مرضاة اللّه ، فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه ، ولم يرفعه اللّه بعلمه ، ولم ينفعه به ، فنعوذ باللّه من علم لا ينفع . وأخبر - سبحانه - أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم ، وإن لم يرفعه اللّه فهو موضوع ، لا يرفع أحد به رأسا ، فإن الخافض الرافع - سبحانه - خفضه ولم يرفعه . والمعنى : لو شئنا فضلناه وشرفناه ، ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه : قال ابن عباس : ولو شئنا لرفعناه بعمله بها . وقالت طائفة : الضمير في قوله : لَرَفَعْناهُ عائد على الكفر ، والمعنى : لو شئنا لرفعنا

--> ( 1 ) تأويل مشكل القرآن ( 369 ) .